في المقالات
 في الكتب
 في الأخبار
يمكنك استقبال أخبار المقالات والكتب الجديدة للدكتور على بريدك الإلكتروني
للاشتراك بالخدمة إدخل بياناتك هنا:
المقالات » ليبرمان والإجماع الصهيونى
ليبرمان والإجماع الصهيونى
قرأت :3972 مرة     أرسلت لصديق :27 مرة  أرسل لصديق      طباعة
موقع الجزيرة نت: 2006-12-01

ليبرمان والإجماع الصهيونى

د. عبد الوهاب المسيرى

 

ظهر أفيجدور ليبرمان كلاعب رئيسى على مسرح السياسه الإسرائيلية بعد أن إعتبره رئيس الوزراء الإسرائيلى إيهود أولمرت طوق نجاته. فمن هو ليبرمان هذا؟ وما رؤيته، و ما هو برنامجه السياسى؟

ولد ليبرمان فى مولودوفا (التى تقع بين رومانيا وروسيا). ولا تتوافر معلومات كافية عن الفترة التى قضاها هناك، ولكن من المعروف أنه هاجر إلى  إسرائيل عام 1978، وهو بعد فى العشرين. ظهر ليبرمان فى الساحة السياسية الإسرائيلية إبان حكومة الليكود عام 1996 حين شغل منصب مدير عام مكتب رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، بعد أن كان قد أمضى عدة سنوات فى صفوف حزب الليكود. وقد عُرف ليبرمان فى تلك الفترة بأنه رجل المهمات القذرة والشخصية المثيرة للجدل والأزمات. وقد يعود اختياره لهذا المنصب إلى محاولة إجتذاب الجمهور الروسى الذى كان يعانى صعوبات فى الاندماج فى المجتمع ومؤسسات الدولة. واضطر ليبرمان إلى الاستقالة بعد سنة واحده فقط، بسبب ملف جنائى يتعلق بالتهجم على طفل وضربه ضربا مبرحا. (فراس حماد، وكالة الأخبار العراقية، 24 أكتوبر2006).

و فى أعقاب خلاف بين رئيس حزب الليكود، بنيامين نتنياهو، ونتان شيرانسكى، رئيس حزب يسرائيل بعليا (الحزب الروسى)، أشار نتنياهو على ليبرمان بتشكيل حزب روسى جديد موال لليكود. وبالفعل أنشء ليبرمان عام 1999 حزب يسرائيل بيتينو (إسرائيل بيتنا) نسبة إلى حزب روسى كان بزعامة الرئيس الروسى السابق يلتسن يدعى "روسيا بيتنا"، و هى محاولة من ليبرمان لكسب تعاطف المهاجرين الروس (Patrick Seale, The Daily (Star, 27 Oct. 2006. خاض حزب إسرائيل بيتنا الإنتخابات، و طرح برنامجا سياسيا اجتماعياً اقتصادياً دعا فيه إلى إستيعاب المهاجرين بشكل كامل، و العمل على صهرهم داخل المجتمع، من أجل إيجاد مجتمع يهودى متكامل. وقد قام الحزب بالتحريض على فلسطينيى الداخل و فلسطينيى 67 و العرب عامة. و حصل حزبه فى انتخابات الكنيست الخامسة عشر عام 1999 على 4 مقاعد، وفى عام 2003 خاض الانتخابات فى قائمة مشتركة مع حزب موليدت تحت إسم "إيحود ليئومى" على 11 مقعد، وأصبح هذا التحالف بذلك القوة الرابعة فى الكنيست من حيث عدد المقاعد. (فراس حماد، وكالة الأخبار العراقية 24 أكتوبر2006).

ولكى نعرف ليبرمان حق المعرفة لابد من استعراض مواقفه السياسية، وبرنامجه الحزبى، ورؤيته. ابتداءاً يجب الإشارة إلى أن ليبرمان سياسى صبيانى على المستوى الشخصى، طفولى على المستوى الجماهيرى. يعيش فى الدولة الصهيونية منذ 28 عاما إلا أنه لا يزال يتسم بعقلية المهاجر، فهو يحزم حقائبه بسهولة و لا يتمسك بفكرة أو بشخص أو بكرسى، فليس عنده أى صبر على الحلول الجزئية التى سمحت لإسرائيل بالبقاء 58 سنه فى منطقة معادية (ناحوم برنباع، يديعوت أحرونوت، 23 أكتوبر 2006). وليبرمان من أشد المعجبين بجابوتنسكى، الذى يرى أنه يجب على المرء أن يكون عبقريا وقاسيا فى ذات الوقت، "إذا حاول أعداؤك زعزعة الوضع، عليك أن تهاجمهم بصورة شمولية وشديدة جدا. لا توجود حدود أو قيود، عليك تحطيمهم تماماً إلى ان يبكوا متوسلين قائلين [أى الأعداء] "كفى" (القدس، 30 مايو 2004). والحزب الذى أسسه ليبرمان حزباً فاشياً متأثراً بأفكار جابوتنسكى، ومن هنا دعوته لإقامة نظام رئاسى فى إسرائيل. فأساس النظم الفاشية هو خلق نموذج "الزعيم" الذى يفعل كل ما يرغب بمعزل عن السلطتين التشريعيه والقضائيه (ميساء أسعد، خاص، 2 نوفمبر 2006). دخول ليبرمان الحكومة يعنى تقبل أجندة اليمين وتحولها لجزء مركزى فى الخارطة السياسية. إن التحالف الفاشى بين اليمين الإستيطانى واليمين الليبرمانى يعتبر مسألة بديهية وطبيعيه، فقد نجح اليمين فى وضع معادلة قياسية لمن يكون وطنيا، فجعلت درجة الولاء للوطن تقاس بدرجة معاداة العرب، وهذه بلا شك أصداء فكر جابوتنسكى ("الفاشى" على حد قول موسولينى) (تسفى برئيل، هآرتس، 29 أكتوبر2006).

  وقد دعا ليبرمان من على منصة الكنيست إلى قصف السد العالى بقنبلة نووية بهدف إغراق الشعب المصرى، بحجة أن اتفاقية السلام التى وقعها النظام المصرى مع الكيان الصهيونى لم تكن حقيقية، لأن مصر لازالت تدعم المطالب المشروعة للشعب الفلسطينى، كما طالب كذلك بتدمير طهران. وكان يرى أن بقاء عرفات حيا يعتبر من اكبر المؤشرات على ضعف و عجز إسرائيل، ولذا اقترح أن تقوم طائرة بإسقاط قنبلة وزنها طنين على المنطقة التى يعيش فيها عرفات لتهدمها على رأس من فيها وبذلك يتم تدمير مسيرة السلام. وطالب ليبرمان كذلك بتخريب أحياء سكنية فى غزة، وترحيل 90% من عرب إسرائيل، و ذلك عن طريق طرد الفلسطينيين العرب من منطقة المثلث داخل أراضى 1948 إلى الضفة الغربية وتعزيز عمليات الإستيطان (طارق حسن، الأهرام، 28 أكتوبر 2006- القدس، 30 مايو 2004- ناحوم برنباع، يديعوت أحرونوت، 23 أكتوبر 2006).

ورغم كل هذا الضجيج الإعلامى فإن ليبرمان حسب قول الصحفى إيتان هابر فى إفتتاحية يديعوت أحرونوت لا يقصد فعلا ما يقول وأنه يثرثر وحسب. ويتفق معه فى هذا الرأى ناحوم برنباع الذى يعتبر تصريحات ليبرمان شكل من أشكال الهذيان اللفظى (المشهد الإسرائيلى،  1 نوفمبر2006).

ولكن بغض النظر عن كون ليبرمان ثرثارا أم لا، فانه يظل تعبيراً متبلورا ًعن التيار العنصرى اليمينى المتطرف، فهو كما وصفه يتسحاق ليئور (هآرتس،1 نوفمبر2006) دودة ضخمة نبتت وترعرت فى حقل القثاء هذا ["أى  فى الساحه السياسيه الإسرائيلية"]. إن ليبرمان شأنه شأن غيره من الزعامات الصهيونية العنصرية مثل مائير كهانا و رحبعام زئيف وكتلة المستوطنين فى الكنيست، يقومون بدفع السياسة العنصرية الصريحة (ترانسفير) أو الضمنية (حق إسرائيل فى المناطق) تحت مظلة الديموقراطية الإسرائيلية. كهانا اعتاد توظيف الهولوكوست لإقناع الناس ببرنامجه ، كما انه رسخ دعايته العنصريه  على أساس النصوص الدينية.

وقد قضت حماقة لبنان على  العقيدة المشتركة بين اليسار واليمين على حد السواء، أى قضية الأمن القومى. فقد أصبح واضحا خلال عدة عقود انه ليس هناك حلاً عسكرياً لمشكلة إسرائيل الأمنية. هنا يظهر الخطاب الكهانى-الليبرمانى الذى يتسم بالمزج بين العنف والوعد الإلهى: نطرد العرب و نحل كل المشاكل من خلال ضربة واحدة ساحقة إلهيه، وهكذا تطرح رؤيه جديده لحل العقدة الأمنيه. ومن الملاحظ انه رغم أن أغلب أعضاء الكينست فى قائمة إسرائيل بيتنا من المهاجرين، إلا أن بينهم أيضا ممثلين عن الأمن (نائب رئيس الشاباك السابق، إسرائيل حسون، ونائب المفتش العام للشرطة، يتسحاق أهرونوفيتش).

ويتصور ليبرمان أن الإحتكاك القائم بين الشعبين الإسرائيلى والفلسطينى هو أساس المشكلة، ولمنع حدوث الصراع يجب الحؤول دون الإحتكاك بينهما. ومن هنا يدعو إلى تبنى النموذج القبرصى، حيث تم فصل الجزء اليونانى عن الجزيرة عن الجزء التركي، ويذهب ليبرمان إلى أن العقبة الأساسية هى مشكلة عرب إسرائيل ولكن مع هذا يمكن تجاوزها عن طريق عزل الفلسطينيين فى الضفة والقطاع فى كانتونات مفصولة عن بعضها البعض، ومحاطة بالمستعمرات الصهيونية من كل الجهات، على غرار الكانتونات التى أقامها نظام الفصل العنصرى فى جنوب أفريقيا للمواطنين السود. كما يمكن تجميع العرب بصورة تتيح فصلهم عن الدولة، وبما أن الجليل هو مكان أغلبية عرب إسرائيل، لابد من ترحيلهم شمالا، ويتم ضم منطقة المثلث فى الجليل الأدنى إلى الضفة الغربية المحتلة، أما يهود كريات شمونة (مع باقى يهود الجليل) فسيحلون محلهم فى الجنوب الواسع. وسيتولى أركادى غايدماك –رفيق ليبرمان- بناء كريات شمونة الجنوبيه متيحا المجال أمام يهود الشمال للفرار نهائيا من نقمة صواريخ حسن نصر الله. وبهذه الطريقة يتم تطبيق النموذج القبرصى على إسرائيل، حيث تكون إسرائيل الشمالية للعرب، وإسرائيل الجنوبية ستكون كلها لليهود، ويتم تطهير الدولة من الشوائب العرقية (ألون ليئال، هآرتس، 6 نوفمبر2006).

ما هو سر دخول مثل هذا التيار الفاشى العنصرى الواضح إلى تحالف وزارى يضم أكبر حزبين فى إسرائيل؟ يمكن أن ندرج الأسباب التالية:

1- إن إنضمام ليبرمان إلى الحكومة الإسرائيلية لا يعد أكثر من تسديد فواتير داخليه و تلاقى مصالح بين أطراف الساحة السياسيه الإسرائيليه، فقد وعد ليبرمان أولمرت بدعم إستقراره فى الحكم مقابل ضمه للحكومة،و هذا يأتى بعد أن أصبحت الساحة السياسيه الإسرائيلية أحزابا وأشخاصا ضعيفة وعاجزة عن تقديم الحلول الواضحة لجمهورها بدرجة كبيرة، وتحاول مداراة هذا العجز بأصحاب الدعوة الصريحة إلى الحرب والكراهية والعنصرية (طارق حسن، الأهرام، 28 أكتوبر 2006).

2- الديموقراطية قادرة على التغلب على كل المصاعب، مثل الحرب والأزمات الاقتصادية، ولكنها لا يمكنها ان تتغلب على عائق واحد هو فقدان ثقة المواطن. ومصدر الأزمة التى علق فيها المجتمع الإسرائيلى ليست مجرد الفشل فى الحرب، بل رفض أصحاب السلطة الاعتراف بأن الهزيمة كانت من فعل أيديهم، ليس النظام هو المذنب، ولكن الأشخاص الذين سقطت منظومة السلطة فى أيديهم.

3- يستغل ليبرمان الفراغ الناشئ فى أعقاب الانهيار المعنوى للوسط. و بالفعل مع توجه أولمرت إلى ليبرمان فإنه يعلن بأن ليس فى وسعه قيادة الدولة بنفسه. أما عمير بيرتس، فقد اعترف بأنه ليست لديه القدرة على رد الحرب بالحرب. أولمرت وبيرتس يعرفان أنهما فقدا ثقة الجمهور، كما يعرفان أن حرب لبنان الثانية أديرت بشكل متسيب, ولكن القيادة السلطاوية ترفض الاعتراف بمسؤليتها, ولذا يتردد الحديث عن قدرة ليبرمان فى أن يجند، إحباطات ومخاوف الطبقة الوسطى الدنيا ويوظفها ( زئيف شتيرنهال، هآرتس، 27 أكتوبر 2006).

4- التوافق بين أولمرت وبين ليبرمان يعكس إلتقاء قاتل للمصالح ، فما حدث فى إسرائيل ان الطغاة الماليين بنوا أنفسهم من خلال نهب ممتلكات الجمهور وأصبحوا محرك السلطة فى المجتمع الإسرائيلى، ثم وصل الطغاة إلى مرحلة الصدام مع القيم الديموقراطية، ولذا كان لابد من تفويض "رجل قوى" يحيد الديموقراطية ويحدد أصول اللعبة الجديدة لصالح أصحاب رأس المال. هذا الدور كان من نصيب اريئل شارون وحزب كديما، وحين فشل أولمرت فى تحقيق الأمر فإن هذا ألزمه بضم ليبرمان بزعم أنه الشخص الصحيح ليستمر أولمرت فى منصبه.

وما يلفت النظر فى قضية ضم ليبرمان و حزبه لحكومة أولمرت، أن الشارع فى الكيان الصهيونى لا يعارض هذه الخطوة بل يرحب بها، رغم ادراكه للطبيعة العنصرية  لحزب ليبرمان، فالحقيقة التى تمخضت عنها الحرب الأخيرة على لبنان، هى أن المجتمع الصهيونى يتجه بصورة ثابته و مطردة نحو الفاشية، و أن الأحداث الكبرى بما فيها الهزائم العسكرية تسرع من التوجهات الفاشية فى هذا المجتمع المصطنع.

أولمرت يعلم أن الوسيلة الوحيدة للخروج من مأزق الحرب على لبنان هو توسيع القاعدة البرلمانية لحكومته بضم أحزاب جديدة اليها، فلم يكن ما تمخضت عنه الحرب الأخيرة مجرد هزيمة عسكرية للكيان الصهيونى, بل هزيمة شاملة تجلت مظاهرها فى كافة البنى الأمنية و الإقتصادية و السياسية و الأجتماعية.لقد كشف إستطلاع للرأى العام، أجرته صحيفة يديعوت أحرونوت (13 أكتوبر2006) أن المجتمع الصهيونى أصبح أكثر يمينيه بعد الحرب على لبنان، القضية هنا لا تتعلق بانضمام حزب يمينى ذى نزعة فاشية إلى حكومة أولمرت، بل هى تتعلق أساسا بتجمع إستيطانى يرحب بهذه النزعة. يقول جدعون ليفى (هآرتس 15أكتوبر2006) إن ليبرمان يبدو متطرفا بالنسبة للذين يتصنعون البراءة، ولكنه فى واقع الأمر يقوم بما تقوم حكومة إسرائيل بفعله. ولذا فإنه سيزيل القناع عن حكومة إسرائيل وسيظهر أولمرت للفلسطينيين وللعالم أين تتوجه الحكومة الحالية (ميساء أسعد، خاص، 2 نوفمبر2006).

ثمة سؤال هام يطرح نفسه: هل أفغيدور ليبرمان رئيس خزب إسرائيل بيتنا خارج الإجماع الصهيونى المهيمن؟ و هل هو فعلا خارج فلك حزب كديما الحاكم و الذى مزج بين نهج حزب العمل و نهج الليكود؟ و هل ليبرمان و نهجه أكثر عنصريه من نهج حزب كديما أو حزب العمل الذى يستند إلى الرؤية الصهيونية للأمن القومى الإسرائيلى وبالهاجس الديموجرافى ورفض أية تسوية؟ هل ليبرمان أكثر عنصرية من النظام الحاكم و الدولة، أم أنه وليدهما و تعبير عن إعادة انتاج عنصريتهما؟ (المشهد الإسرائيليى، 21 ابريل2006). كل الأسئلة السابقة هى أسئلة خطابية، فالإجابة معروفة لكل من يرصد المشهد السياسى الإسرائيلى، وكل ما فعله ليبرمان هو أنه أوضح ما كان متخفياً، وأبرز ما كان كامناً.

والله أعلم.

 

 

تاريخ ظهور المقالة على الموقع: 2008-05-13
تعليقات الزوار
أضف تعليق
*الإسم:
الدولة:
الوظيفة:
*البريد الإلكتروني:
*التعليق:
التقييم العام للمقالة     تقييمك:    

الرئيسية  |  عن المسيري  |  السيرة الذاتية والعلمية  |  الصور  |  نبذة عن أعمال المسيري  |  الموسوعة  |  المقالات  |  الكتب  |  الصوتيات  |  المرئيات  |  الجوائز والشهادات  |  دراسات وكتابات حول المسيري  |  الجديد  |  دليل المواقع  |  راسلنا
جميع الحقوق محفوظة لموقع الدكتور عبد الوهاب المسيري
اتصل بنا info@elmessiri.com