الواحدية المادية«الواحدية المادية» هي ذاتها الواحدية الكونية. فهي تُوحِّد الإنسان بالكون مع استبعاد الإله تماماً، وهذه الرؤية تشكل الإطار المعرفي النهائي لكل الأيديولوجيات العلمانية الشاملة الحديثة. وهي لا تختلف في أساسياتها عن الواحدية الكونية القديمة، فكلاهما يرى أن ثمة جوهراً واحداً في الكون ينفي وجود الحيز الإنساني والثنائية الناجمة عن وجوده. يستبعد عالم الواحدية المادية من منظوماته المعرفية والأخلاقية أي عنصر من عناصر التجاوز (الإله ـ القيم الإنسانية والأخلاقية المطلقة ـ الغائيات المتجاوزة لحركة المادة ـ الإنسان باعتباره مقولة مستقلة عن قوانين الطبيعة/المادة) وينظر للعالم من خلال قانون طبيعي مادي واحد، يسري على الإنسان سريانه على الطبيعة/المادة، ومن ثم فالرؤية الواحدية المادية تُوحِّد بين الإنسان والطبيعة، وتستبعد المقدسات والغائيات (الإلهية والإنسانية) كافةً باعتبارها أموراً مفارقة للمادة وقوانينها. في هذا الإطار تصبح المعرفة مسـألة تستند إلى الحـواس وحسب، ويصبح العالم الطبيعي هو المصدر الوحيد أو الأساسي للمنظومات المعرفية والأخلاقية، وتُردُّ الأخلاق إلى الاعتبارات المادية (الاقتصادية والاجتماعية والسياسية)، وتنفصل الحقائق المادية تماماً عن القيمة، وتصبح الحقائق المادية (الصلبة أو السائلة) المتغيرة هي وحدها المرجعية المعرفية والأخلاقية المقبولة، وتصبح سائر الأمور (المعرفية والأخلاقية) نسبية صالحة للتوظيف والاستخدام. بل إن هذه الرؤية الواحدية المادية، في مراحلها المتقدمة، بإنكارها أي ثبات، ينتهي بها الأمر إلى إنكار وجود الماهيات والجوهر، بل الطبيعة البشرية ذاتها، باعتبارها جميعاً أشكالاً من الثبات والميتافيزيقا. ونشير أحياناً إلى «الواحدية المادية» باعتبارها «الواحدية الموضوعية المادية». والموضوعية هنا نسبة إلى الموضوع، أي الطبيعة/المادة والمطلقات العلمانية المختلفة. | |