الصهيونية والإمبريالية والعلمانية الشاملةتستند الصهيونية إلى رؤية علمانية إمبريالية شاملة تعتبر اليهود والفلسطينيين (الإنسان) وفلسطين (الطبيعة) مادة استعمالية يمكن توظيفها وحوسلتها. فاليهود مادة بشرية تأخذ شكل شعب عضوي متماسك. ولكن هذه المادة لا نفع لها في العالم الغربي بل تشكل عبئاً عليه لأنها لا تنتمي إليه (شعب عضوي منبوذ)، ولذا لابد أن يُخلَّص الغرب منهم وأن يُخلَّصوا هم منه. والصهيونيـة، في وصفها وضع اليهود، تتفق تماماً مع الرؤية المعادية لليهود، ولكنها تختلف عن هذه الرؤية في طبيعة الحل المطروح، إذ يذهب الصهاينة إلى أن التخلص من اليهود (المادة البشـرية غير النافعة) لا يتم عن طريق الإبادة أو الطرد (بشكل عشوائي)، وإنما يجب أن يتم بشكل علمي ومنهجي عن طريق نقلهم (ترانسفير) خارج العالم الغربي فيتحوَّلوا من مادة غير نافعة إلى مستوطنين يُشكِّلون دولة وظيفية تخدم مصالح الغرب، على أن يقوم هو بالدفاع عنها وضمان بقائها واستمرارها، وبذلك يصبحون مادة نافعة، أي أن اليهود الذين فشلوا في الاندماج في الغرب عن طريق التشكيل الحضاري الغربي، سيحققون هذا الاندماج عن طريق التشكيل الإمبريالي الغربي. وبعد أن كانوا سبمن في الحضارة الغربية (إنساناً أداتياً) فإنهم يصبحون سوبرمن في الشرق (إنساناً إمبريالياً). في محاولتنا تعريف الصهيونية توصلنا إلى ما سميناه «الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة» التي تحتوي على العناصر الأساسية المكوِّنة لتعريف الصهيونية بغض النظر عن الديباجات والاعتذاريات المستخدمة التي تشكل الأساس الكامن للإجماع الصهيوني. ويمكن تلخيصها فيما يلي: أ ) اليهود شعب عضوي منبوذ غير نافع (أي جماعة وظيفية فَقَدت وظيفتها)، يجب نقله خارج أوربا ليتحوَّل إلى شعب عضوي نافع. ب) يُنقل هذا الشعب إلى أي بقعة خارج أوربا [استقر الرأي، في نهاية الأمر، على فلسطين بسبب أهميتها الإستراتيجية للحضارة الغربية] ليُوطَّن فيها وليحل محل سكانها الأصليين، الذين لابد أن يتم إبادتهم أو طردهم على الأقل [كما هو الحال مع التجارب الاستعمارية الاستيطانية الإحلالية المماثلة]. جـ) يتم توظيف هذا الشعب لصالح العالم الغربي الذي سيقوم بدعمه وضمان بقائه واستمراره، داخل إطار الدولة الوظيفية في فلسطين. وهذه الصيغة الشاملة لم يُفصح عنها أحد بشكل مباشر، إلا بعض المتطرفين في بعض لحظات الصدق النماذجية النادرة. ولكن عدم الإفصاح عنها لا يعني غيابها، فهي تشكل هيكل المشروع الصهيوني والبنية الفكرية التي أدرك الصهاينة الواقع من خلالها. ويُلاحَظ أن كثيراً من الأُسس التي تستند إليها الصيغة الشاملة قد اختفى بفعل التطورات التاريخية. فيهود العالم الغربي قد تناقص عددهم واندمجوا بشكل شبه كامل في مجتمعاتهم، ولم يعد هناك مجال للحديث عن "عدم نفعهم". كما أن عملية نقل اليهود ونفي العرب اكتملت معالمها إلى حدٍّ كبير، وخصوصاً أنه بعد تأسيس الدولة أصبح الترانسفير عملية هجرة تتم في ظلال قانون العودة. وما تبقى من الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة هو دولة وظيفية يدعمها الغرب ويضمن بقاءها وتقوم هي على خدمته وعلى تجنيد يهود العالم وراءها لخدمتها وخدمة العالم الغربي، وهذا ما يُشكِّل أساس الإجماع الصهيوني. وعلى كلٍّ فإن ما يتم الإفصاح عنه هو الصياغة المهوِّدة للصيغة الصهـيونية الأسـاسية الشـاملة، فهي أكثر صــقلاً، وتبدو أكثر إنسانية، ولذا فهي تحقق القبول الذي لا يمكن أن تحققه الصيغة غير المهودة بسبب إمبرياليتها وماديتها الشاملة. | |