في المقالات
 في الكتب
 في الأخبار
يمكنك استقبال أخبار المقالات والكتب الجديدة للدكتور على بريدك الإلكتروني
للاشتراك بالخدمة إدخل بياناتك هنا:
المقالات » جنود نازيون يهود؟
جنود نازيون يهود؟
قرأت :4604 مرة     أرسلت لصديق :23 مرة  أرسل لصديق      طباعة
موقع الجزيرة نت: 2007-01-01

جنود نازيون يهود؟

د.عبد الوهاب المسيرى

 

من الحيل الأساسية فى الخطاب التحليلى الغربى أنه ينزع الظاهرة من سياقها الحضارى والإنسانى فتتحول الظاهرة إلى مجرد حادثة أو معلومة يفرض عليها العالم الغربى ما يشاء من معانى. فحين يتعامل مع ظاهرة مثل الفساد فى حكومات العالم الثالث، خاصة فى أفريقيا والعالم العربى، فإنه يفصلها عن عناصر أخرى مثل دعم حكومات العالم الغربى لمعظم هذه الحكومات، وعن الرشا الذى يقدمه العالم الغربى وشركاته لأعضاء النخب الحاكمة فى العالم الثالث. ومن ثم يتحول الفساد من كونه ظاهرة اجتماعية سياسية ساهم الغرب فى صنعها إلى حد كبير، إلى أمر لصيق بالعالم الثالث الذى لم تصله بعد قيم الديموقراطية الغربية!

ونفس الشىء ينطبق على ما يسمى "الإرهاب الإسلامى"، إذ يتم فصل هذه الظاهرة عن التدخل الغربى فى المنطقة وعربدة الجيوش الأمريكية فى العراق وأفغانستان ودعمها لبعض الحكومات العربية الفاسدة، وعن الاحتلال الصهيونى وبطشه اليومى المستمر بالشعب الفلسطينى. وبالتالى تظهر بعض العمليات التخريبية (مثل تلك التى حدثت فى أسبانيا وانجلترا) وكأنها نتاج عقل بشرى شرير، وكأن الإرهاب أمر لصيق بالإسلام ذاته. ثم يسحب هذا التعميم على المقاومة الشرعية ككل سواء كانت فى فلسطين أم العراق أم أفغانستان مما يسبغ شرعية على التدخل الاستعمارى الأمريكى فى الشئون العربية وعلى تحالفها مع النظم العربية الفاسدة، بحجة التصدى للإرهاب!

وهذا أيضا ما فعله العالم الغربى مع ظاهرة الإبادة النازية ليهود اوروبا والتى يطلق عليها "الهولوكوست". فقد نزعها تماما من سياقها الحضارى الغربى وقام بأيقنتها، أى جعلها مثل الأيقونة، التى يظن العابد أن الإله قد حل فيها، وبالتالى لا يمكن للمؤمن بها أن يشكك فيها أو أن يتساءل عن معناها أو دلالتها، فالأيقونة لا تشير إلى شىء خارج عنها، فهى مرجعية ذاتها ولا تشير إلا إلى ذاتها. ولذا بدلا من أن ينظر العالم الغربى إلى الإبادة النازية لليهود باعتبارها جزءا من نمط أوسع، وهو قيام الحضارة الغربية بإبادة الملايين (إبادة السكان الأصليين فى أمريكا الشمالية واستراليا ونيوزلنده – ملايين الأفارقة الذين تم إبادتهم إبان عملية استرقاق الملايين – إبادة سكان الكونغو الأصليين على يد الاستعمار البلجيكى – إبادة مليون فى الجزائر على يد الاستعمار الفرنسى)، أصبحت الإبادة النازية فعلاً إجرامياً قامت به ألمانيا النازية ضد اليهود، واليهود وحدهم. وبالتالى تتحول المسألة إلى لونين: أبيض وأسود، النازيون الجزارون واليهود الضحية. وتحاط الإبادة بالقداسة، وكأنها الحق المطلق الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والذى لا يمكن مقارنته بأى ظاهرة أخرى، وكأن الإبادة ليس كمثلها شىء. ومن هنا ظهرت قوانين تجرم من يشكك فى الإبادة (فى الوقت الذى لا توجد قوانين مماثلة تجرم من يشكك فى وجود الله أو حتى القيم الأخلاقية الثابتة المطلقة). وأعتقد أنه من الواجب تحدى هذه الرؤية الاختزالية عن طريق وضع الإبادة فى إطارها الحضارى والسياسى الغربى فننزع القداسة عنها ونبين أنها ظاهرة إنسانية تاريخية لا تختلف عن ظواهر مماثلة، وأنه لا يمكن رؤية الإبادة من خلال لونين اثنين. ومن أهم الاستراتيجيات فى هذا المجال هو توضيح مدى تعاون الصهاينة مع النازيين، وهو تعاون تم على جميع المستويات الشخصية والمؤسسية، و السرية والعلنية.

وقد نشرت جريدة  الديلي تليجراف البريطانية في عددها الصادر فى ديسمبر 1996 مقالا بعنوان " كشف السر الخاص بجنود هتلر اليهود!" وعبارة "جنود هتلر اليهود" تهدم الخطاب الغربي من أساسه، إذ تبين مدي التداخل بين النازيين من جهة، و الصهاينة واليهود من جهة أخري، وأن مسألة الأبيض و الأسود هذه ليست لها أي أساس من الصحة. والمعلومات المذهلة الواردة فى المقال ليست من قبيل الإثارة الصحفية، وإنما هي ثمرة بحث قام به طالب تاريخ في جامعة أكسفورد يسمي برايان ريجز.

يبين المقال أن القانون الألماني، إبان الحكم النازي، اي منذ عام 1935 كان يرفض منح الجنسية لذوي الأصول المختلطة واليهود، هذا هو الأبيض والأسود الذي يروجه الخطاب التحليلي الصهيوني والغربي. ولكن الواقع يتحدي هذه الصيغ الإختزالية، إذ يشير المقال إلى أن اليهود وأنصاف اليهود الذين انخرطوا فى الجيش تم السماح لهم بالاستمرار فى الخدمة على ألا يصلوا إلى رتبة ضابط. ولكن حتى هذا لم يتم الالتزام به، فمكتب شئون العاملين في الجيش الألماني كان علي دراية بوجود 77 ضابطا من الرتب العالية من أصول يهودية مختلطة أو متزوجين من يهود ويخدمون في الجيش النازي (الفيرماخت). كما بيّن التقرير أن الآلاف من اليهود من ذوي الأصل المختلط (أي أنصاف يهود)  خدموا فى الجيش النازي. وتوضح الدراسات التى قام بها ريجز حالات متنوعة. كان بعضها من اليهود المتدينين، والبعض الآخر ممن لا يعتبرون أنفسهم من اليهود بصرف النظر عن نظرة القوانين لهم. وكان البعض يخفى نسبه الأصلى والبعض الآخر لم يستطع أن يفعل ذلك. ويوضح البحث مدى فظاعة الرفض النازى أثناء الحرب لمن ينتمون إلى أعراق مختلطة. وقد اكتشف ريجز أنه بينما كانت الجنود اليهود يؤدون الخدمة العسكرية، كان ذويهم من اليهود يقتلون فى معسكرات الاعتقال. وكان ما يقرب من 2300 يهودى أقارب من الدرجة الأولى لمجموعة تقرب من 1000 جندى ممن التقى بهم ريجز من ضحايا الهولوكوست. وقد تمكن ريجز من توثيق 1200 حالة و استطاع أن يجمع ما يقرب من 30ألف وثيقة عن أصول يهودية لـ 2 من المارشالات الميدانيين و 10 جنرالات و 14 كولونيل و 30 ميجور.

وتكشف الوثائق عن حالات كثيرة بعضها فى غاية الغرابة، مثل حالة أحد كبار الضباط النازيين اليهود الذي قام بزيارة والده في إحدي معسكرت الإعتقال وهو يرتدي زيه الرسمي وأوسمة المعارك. التي خاضها، والصليب الحديدى الذى تسلمه تكريما لإدائه فى إحدى المعارك وقد يبدو الأمر بالنسبة لنا غريبا، ولكن يبدو أن هذا الأمر كان مألوفا في ألمانيا النازية. إذ تشير الوثائق إلي معرفة القيادة الألمانية معرفة كاملة بأصول الضباط  النازيين اليهود، كما هو الحال مع المارشال الميداني إرهارد ميلش الذي ولد عام 1892 لأب يهودى وكان صديقا شخصيا لهيرمان جورنج، قائد القوات الجوية الألمانية و أحد المرشحين لخلافة هتلر. كان ميلش رئيس شركة لوفتهانزا التي قام بتطويرها، ورئيس جهاز وزارة الطيران، وحسب التعريف النازى كان يعد نصف يهودي. ولكن هتلر وجورنج قررا أن يتجاوزا هذا العائق العرقى بأن "قررا" أن خال والدة المارشال المذكور هو في واقع الأمر والده الحقيقي ( وكأن الجماع بالمحارم ليس جريمة، وأن انتماء المارشال اليهودي هو الجريمة الحقيقية) وبالتالي فهو من ذوي الدم الألماني الطاهر. وقد ظل المارشال النازى نصف اليهودي في منصبه، وظل علي ولائه للنظام النازي إلي أن حوكم بعد انتهاء الحرب فى محاكمات نورمبرج، بإعتباره مجرم حرب، وسجن لمدة عشر سنوات، من عام 1945-1955، ومات عام 1972.

والبحث ملئ بحالات أخرى:

* إدجار جاكوبسن الذى طلب إخفاء اسمه الحقيقى لأنه حسب التعريف النازى يعد يهوديا خالصا رغم انه لا يمارس العبادة اليهودية، ورغم أنه تزوج من فتاة غير يهودية ولاتزال حية حتى اليوم. عمل إدجار مخرج أفلام ثم فى المكتب الإعلامى (النازى) فى باريس فى 1941 وحصل على الصليب الحديدى من الطبقة الأولى. وفى عام 1941 حاولت أخته التى كانت ترتدى نجمة يهودية حضور مؤتمر نازى، إلا انها منعت من الدخول، وقد احتجت بالقول أن أخاها ميجور فى الجيش النازى. وقبض على إدجار وحوكم أمام محكمة عسكرية لتزييف هويته ثم أرسل إلى إحدى معسكرات الاعتقال.

* هلموت ويلبرج مهندس مفهوم "البليتزكريج" (Blitzkrieg) العدوانى النازى، والذى إستخدم الطائرات فى الحرب العالمية الأولى لتدعيم المدفعية الألمانية. والدته كانت يهودية، إلا أن وثيقة فى ملفه بتاريخ 30 أبريل 1940 تقول أن ويلبرج قام ببحث مضنى، ثم اكتشف أنه ليس يهوديا، و قد توفى عام 1941 حين تحطمت طائرته.

* كول والتر هولاندير التحق بجيش جمهورية فيمر Weimar Republic عام 1922. وكانت أمه يهودية، وكان ملفه فى مكتب شئون أفراد الجيش يشير إلى أن مركز قيادة الضباط فى برلين قد بعث برسالة عام 1934 تقول أنه "ليس آريا". ولكنه من حسن حظه، كان قد حارب ضد الشيوعيين فى عامى 1923 و 1924،  ولذا أوصى مكتب شئون الأفراد أنه ينبغى أن يبقى فى الجيش لكن أصله اليهودى سبب متاعب لزملاءه فى الكلية العسكرية التى عين فيها، ولذا نقل إلى الصين. وقد منحه هتلر ميدالية الخدمة الشرفية عام 1936 ثم فى عام 1939. ثم منحه تصريحا بأنه آرى بعد أن اطلع على صور فوتوغرافية له وعلى ملفه وأوراقه وشهاداته.  وكان أداء هولاندير فى الخدمة العسكرية أداءا متميزا، حيث منح الصليب الحديدى بعد أن قاد فرقة grenadethrower فرقة إلقاء القنابل فى بولندا. كما منح صليب الفارس فى مايو 1943 تكريما لقيامه بتدمير 21 دبابة روسية فى معركة كيرسك. بيد أنه فى نهاية ذلك العام حالت أصوله اليهودية دون ترقيته إلى رتبة جنرال. ووقع هولاندير أسيرا فى قبضة القوات الروسية فى أكتوبر عام 1944 وأمضى 12 سنة فى السجون الروسية.

* هيلموت فيلبرج، استخدم الطائرات فى الحرب العالمية الأولى لدعم كتائب المشاة الألمانية، وكان يتولى سرب الطائراب الألمانية التى ذهبت إلى أسبانيا عام 1936 لدعم فرانكو، ومنح صليب الفارس. كما تولى إدارة كلية طيران وترقى فى المناصب حتى وصل إلى رتبة جنرال. وقد كانت أمه يهودية، لكن تم العثور على وثيقة داخل ملفه العسكرى يقول فيها " بعد بحث طويل عن أصولى وأجدادى، اكتشفت أننى لست يهوديا".

كما التقى ريجز أيضا برجل آخر عمره 76 عاما ويعيش فى ألمانيا، وكان الرجل يهوديا لكنه سافر إلى فرنسا التى احتلتها ألمانيا آنذاك وانضم إلى فرق الإس إس تحت اسم جديد.

وكان كثير من "أنصاف اليهود" half-jews الذين اشتركوا فى الحرب يعملون لحساب منظمة تودت Organization Todot وهى المؤسسة المسؤلة عن برنامج التعمير النازى فى معسكرات الاعتقال السخرة التى كان يرسل لها اليهود المنتجين القادرين على العمل.

  ولقد منحت السلطة النازية أرفع وسام عسكرى (صليب الفارس Ritterreuz or Knight's Cross the) لجنود من أب وأم يهوديين وهى تعلم ذلك. فعلى سبيل المثال طرد الرائد بورخاردت من منصبه العسكرى عام 1934 لأنه كان "نصف يهودى"، لكنه عاد فى نفس العام بعد أن تسلم صك الدم الألمانى من هتلر، وأرسل إلى الصين كى يساعد جيش شيانج كاى شيك Chiang Kai –shek . وفى عام 1941 أصبح يقود فرقة الدبابات، وفى أغسطس من نفس العام منح صليب الفارس تكريما لأدائه فى روسيا. وبعدها تم نقله إلى وحدة روميل ووقع أسيرا فى معركة العلمين.وفى نهاية عام 1944 عندما أصبح من أسرى الحرب، ارتمى فى أحضان أبيه اليهودى الذى فر من ألمانيا قبل الحرب. وفى عام 1946، عاد إلى ألمانيا لأنه كان لابد، كما تقول زوجته، أن يعود شخص ما لإعادة بناء البلاد. وفى عام 1983، قبيل وفاته، قال لبعض الطلاب فى مسقط رأسه "لقد كان يؤمن الكثير من اليهود الألمان وأنصاف اليهود الذين اشتركوا فى الحرب العالمية الأولى، وحتى الحرب العالمية الثانية أيضا، بأن عليهم أن يكرموا ويشرفوا موطن آبائهم من خلال المشاركة فى الحرب"، أى انه ظل مؤمناً تماماً بالتزامه الوطنى لألمانيا.

إن الأمثلة السابقة التى أوردناها تبين مدى التداخل بين كثير من العناصر التى تصر التواريخ الصهيونية والغربية على فصلها. وقد بلور هذه القضية أحد اليهود الذين خدموا فى الجيش النازى إذ قال: "لو كنت ضمن القوات الألمانية وفقدت أمى فى المحرقة النازية، هل أكون بذلك أحد الضحايا أم أحد الجناة". ويتساءل ريجز لماذا لم يكتب عن هؤلاء؟ ولماذا لم أن يسردوا حكاياتهم؟ ولماذا لم يهتم أحد بالأمر؟ ويفسر ريجز تجاهل كل من الألمان واليهود، على حد سواء لهذه المجموعة من اليهود، بقوله "إن الألمان الذين شعروابالذنب يرغبون عن الحديث عنهم، أما المجتمع اليهودى فيرغب عن الاعتراف بهم، لأن ذلك يتعارض مع كل ما تعلموه عن الهولوكوست".

إن تقرير ريجز يجعل واقع الدولة النازية أكثر تركيبا، ولذا سيوسع من حدود النقاش الدائر حول الدوافع النازية فى عملية الإبادة  ودور هتلر فى تنفيذ المحرقة النازية، وأعداد الذين تم حرقهم فى مقابل هؤلاء الذين تخفوا أو تم التغاضى عن هويتهم!

والله أعلم.

 

 

 

تاريخ ظهور المقالة على الموقع: 2008-05-11
تعليقات الزوار
أضف تعليق
*الإسم:
الدولة:
الوظيفة:
*البريد الإلكتروني:
*التعليق:
التقييم العام للمقالة     تقييمك:    

الرئيسية  |  عن المسيري  |  السيرة الذاتية والعلمية  |  الصور  |  نبذة عن أعمال المسيري  |  الموسوعة  |  المقالات  |  الكتب  |  الصوتيات  |  المرئيات  |  الجوائز والشهادات  |  دراسات وكتابات حول المسيري  |  الجديد  |  دليل المواقع  |  راسلنا
جميع الحقوق محفوظة لموقع الدكتور عبد الوهاب المسيري
اتصل بنا info@elmessiri.com